الأقلية الآشورية … تغريب في الوطن وتغييب في الإعلام
كتبهاأسامة أدور موسى ، في 31 كانون الأول 2007 الساعة: 16:07 م
منذ أيام قليلة وبينما كنت أجول في الأروقة الثقافية للانترنيت، دخلت إحدى غرف الحوار الصوتية حيث كان مجموعة من الأصدقاء يبحثون في ما آل إليه الوضع العربي مؤخرا بدأ بالأوضاع في العراق وسورية وما تبقى من القضية الفلسطينية. ولاني من هواة الغوص في تفاصيل الشان العراقي فقد تمحور حديثنا حول الأوضاع في العراق لمدة تجاوزت الساعات الثلاث. ولاني انتمي إلى الأقلية الآشورية فقد كان من الطبيعي أن أتطرق في سياق الحوار إلى مسألة الأقليات القومية في العراق خصوصا، والعالم العربي عموما. و كان مما طرحت للنقاش المنح الكامل وغير المنقوص لحقوق المجموعات القومية التي يتكون منها النسيج الاجتماعي العراقي ( العرب والأكراد والآشوريون والتركمان ) وضرورة مشاركتها في العملية السياسية –الديمقراطية التي يفترض أن يتمخض عنها تشكيل حكومة جديدة تمثل مختلف التيارات العراقية، تمهيدا لإدراج الاعتراف الصريح والواضح بحقوقهم في الدستور العراقي الدائم , وانتهاء بتبوء مكانتهم ومركزهم اللائق في عراق المستقبل كجزء أساسي من النسيج الوطني العراقي، ساهم ولا يزال في بناء العراق، وقدم آلاف الشهداء على مذبح حريته. لكن النتائج التي تمخض عنها حوارنا كانت تراجيدية بل دموية ( بالمعنى المجازي للكلمة )، فقد نفذ المشاركون الخمسة عشرة عملية ( BLOCK ) إرهابية ضدي منعت على إثرها من متابعة الحديث، وتلقيت تهديدا بالطرد ما لم اكتف بالاستماع فقط، فقد اتضح أن هؤلاء المثقفين الأفاضل لم يعجبهم ما ذهبت إليه في مداخلتي الإلكترونية التي لم تستغرق على كل حال بضع دقائق. إن هذا المشهد المؤسف للمثقف العربي يعري الحال المأساوية التي آل إليها المثقفون العرب المذعورون من التحولات الثقافية و المفاهيم الديمقراطية التي تجتاح العالم ، ويؤكد بجلاء أن بعض المثقفين العرب هم نسخة طبق الأصل عن أنظمتهم المذعورة، هي الأخرى، من اتساع المد الفكري لمفاهيم الديمقراطية ولمبادئ الحرية وحقوق الإنسان وقبول الرأي الآخر ، وينفي فهم هذا البعض ومعرفته بالتلوينات القومية المتعددة لوطنه الذي يعيش فيه على الأقل.
إن هذا الوضع المقلق يضعنا أمام تساؤلات عديدة تفرض علينا إيجاد الأجوبة لها، كان نسأل :كيف وصل هؤلاء المثقفين إلى هذا المستوى من عدم المعرفة؟ ثم إلى متى سيستمر البعض من هؤلاء بممارسة الأصولية الفكرية في التعامل مع أبناء الأقليات واعتبارهم ضيوفا غير مرحب بهم علما انهم يعيشون على هذه الأرض منذ آلاف السنين، والمضي قدما في تصنيفهم كمواطنين من الدرجة الثانية والثالثة ؟؟!!! ولكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحا هو : من المسؤول عن هذا الطلاق المؤلم بين أبناء الأقليات من جهة والمثقفين العرب من جهة أخرى؟ يمكننا للإجابة عن هذا السؤال القول أن المسؤولية تتوزع في هذه الحالة على عناصر ثلاثة يؤثر كل منها بالآخر و يتأثر به. وهذه العناصر الثلاثة هي:
أولا: المثقفون أنفسهم : فهم ليسوا مقتنعين بعدالة قضية الأقليات ولا متفهمين لشرعية مطالب أبنائها التي لا تخرج – على كل حال – عن إطارها الوطني والإنساني، وهي تضمنها كافة المواثيق الدولية بدأ باتفاقية نبذ ومعاقبة جريمة إبادة الأجناس الصادرة في التاسع من كانون الأول يناير لعام 1948، مرورا بمؤتمر الجزائر الدولي الذي عقد في تموز العام 1976، والذي أقر ( في مادته التاسعة ) "حق الشعب حين يكون كأقلية ضمن دولة ما أن تحترم هويته وعاداته ولغته وتراثه الثقافي"، وانتهاء بمؤتمر الأقليات في جنيف في نيسان العام 1996 الذي أجابت مقرراته على كل الإشكاليات و الأسئلة المتعلقة بحقوق الأقليات. ولا يفوتنا التذكير بالمعاهدات المواثيق الدولية الخاصة بالشعوب الأصلية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948 والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية، وخصوصا المادتين الأولى و السابعة و العشرين منه والخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية وخصوصا المادة الأولى منه، والإعلان الخاص بالأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية، وغيرها .
هذا عدا عن انشغال بعض المثقفين العرب بقضايا أخرى، ربما من وجهة نظرهم تكون قضايا أساسية، وانضواء بعضهم الآخر تحت لواء الأحزاب القومية أو الدينية المتطرفة الرافضة لكل ما هو غير عربي وغير إسلامي، والتي ما انفكت تمارس سياسات التعريب الشوفينية بحق الآخر المختلف وضد أبناء الأقليات من آشوريين و غيرهم، وخاصة حزب البعث العراقي الذي سيطر على البلاد بالقوة العسكرية منذ أوائل السبعينات من القرن الماضي.
– ثانيا: ممارسات حكومات وسلطات الدول التي يعيش في كنفها مواطنون ينتمون إلى أقليات قومية، والبطش والقمع والتنكيل المتواصل بأبنائها، والخطوط الحمر التي ترسمها أجهزة وأنظمة هذه الدول حول مسألة الأقليات ومعاناتها ومطالبها ومشاكلها وكيفية إيجاد الحلول لها، واعتبارها من المحرمات التي يمنع طرحها للتداول، و إلصاق التهم الجاهزة التي تبرع الأنظمة العربية الفاشية القمعية في فبركتها بمن يجرؤ على الحديث عنها، كتهمة العمالة و التبعية للأجنبي و الارتباط به، لا بل قد تصل إلى تهم الخيانة العظمى في بعض الأحيان. كل هذا التهويل والترويع فرض نوعا من حظر التجوال على المثقفين و الساسة في الأروقة الشائكة لهذا الموضوع الدقيق الذي يعتقدون – واهمين طبعا – أنه يمس الأمن القومي العربي، وهذا ما دفع المثقفين العرب بمختلف شرائحهم وانتماءاتهم وتوجهاتهم للابتعاد عن قضايا هامة كهذه.
إن التأثير السلبي لهذه الممارسات القمعية من قبل سلطات وأجهزة وحكومات الدول العربية على مواطنيها ورعاياها من أبناء الأقليات انسحب تلقائيا على العنصر الثالث الهام في هذا المجال. هذا العنصر الذي يتحمل القسط الأكبر من المسؤولية أيضا، لأنه عصب الحياة اليوم وهو المشرب الأساسي والوحيد أحيانا الذي ينهل الكثير منا معلوماته ويبني رؤاه من خلاله، ويؤثر بشكل واضح في صنع الرأي العام العربي تجاه القضايا الساخنة المؤثرة على الساحة السياسية ، و أعني به "الإعلام".
بالطبع أنا لا أتحدث هنا عن الإعلام الرسمي العربي، فهو من أملاك السلطان، وقد تم تشييعه منذ زمن طويل . لكني بصدد الحديث عن الإعلام الخاص أو المستقل سواء المقروء منه أو المسموع أو المرئي. فقد ظهر في الآونة الأخيرة عدد كبير من الصحف و الإذاعات و محطات التلفزة المستقلة على الساحة الإعلامية العربية، و منها ما هو سياسي إخباري متخصص، استطاعت أن تثبت جدارتها و انطلاقها نحو العالمية كقناة العربية و المؤسسة اللبنانية للإرسال و الجزيرة وأبو ظبي وغيرها الكثير. ترافق ذلك مع ظهور بعض الصحف الجريئة الحرة التي لم يتعرض رؤساء تحريرها والمسؤولون عنها لاستعمار الأنظمة والأجهزة بعد كصحف الحياة والشرق الأوسط والنهار والسياسة وغيرها، ما دفعنا للاعتقاد – نحن أبناء الأقليات عموما والأقلية الآشورية خصوصا – أن فصول المشكلة الإعلامية قد انتهت، وأنه لم يعد بمقدور أحد من قادة وزعماء أجهزة الرقابة الرسمية العربية فرض قيود على تناول قضايا محظورة من هذا النوع، وأن زمن العماء الإيديولوجي والاستبداد السياسي المعتمد نحو قضايا الأقليات قد ولى بغير رجعة.
لكن الذي حدث كان محبطا فعلا، فقد سارت وسائل الإعلام المستقلة هذه على نهج سابقاتها الرسمية لجهة تعاطيها مع مسألة الأقليات وان بشكل جزئي، رغم رفعها شعارات براقة توحي بإشراقة جديدة للحوار السياسي وتعد بإشاعة المناخ الديمقراطي في العالم العربي، ليستمر بذلك مسلسل التعتيم الإعلامي بحلقاته المقيتة اللا منتهية ضد أبناء الأقليات وقضاياها، باستثناء بعض المحاولات الخجولة في هذه الصحيفة أو تلك المحطة. ورغم المناشدات العديدة و الرسائل الكثيرة و المقالات الجريئة التي تقدمت بها الشخصيات و الهيئات و الأحزاب السياسية الآشورية في الوطن والمهاجر إلى الصحف و المحطات لطرح قضية الأقليات للتداول، فإن الرد كان يجيء رماديا ضبابيا متأرجحا بين الرفض و التجاهل بحجة أن الظروف الراهنة لا تحتمل طرح مواضيع حساسة كهذه، أو لعدم رغبة هذه الوسائل الإعلامية في إغضاب السلطات والحكومات المعنية بشؤون الأقليات القومية والدينية ومعاداتها ….. والى آخر قائمة الحجج الواهية المقدمة باستمرار من القيمين على هذه الوسائل. وكان الضحية الأبرز في كل هذه المراحل التي شابتها مظاهر التودد والتملق والتلطي خلف الشعارات هم أبناء الأقليات القومية عموما و الأقلية الآشورية خصوصا، ما أدى إلى ابتعادهم وانعزالهم فغيابهم التام عن المسرح السياسي والساحة الإعلامية العربية، وهذا بالنتيجة دفع بعض المثقفين العرب إلى تصنيف الآشوريون في قائمة الحياء المنقرضة تماما. و أقول الأقلية الآشورية خصوصا لأنها تحملت الوزر الأكبر في برنامج الحرب الشاملة والنظامية التي تشنها الأنظمة الرسمية والنخبة المثقفة على الأقليات لسببين اثنين. أولهما : الاختلاف القومي للآشوريين لغة وعادات وتقاليد ومورثا شعبيا وبناء اجتماعيا عن القوميات المحيطة من عرب وأكراد وتركمان وغيرهم، جعل منهم فريسة سهلة لغزاة المنطقة بدا بعهد الروم والفرس ، فالمغول والعثمانيين ، وانتهاء بالنظريات العروبية الحديثة المتعصبة لبعض الأحزاب، وخصوصا تلك الأحزاب القومية ذات الأيديولوجيات العابرة للقارات والكواكب، والممارسات الشوفينية السوداء كحزب البعث العراقي .
و ثانيهما : كون الآشوريين أقلية دينية مسيحية في محيط إسلامي كبير جعلهم عرضة لمذابح وحملات إبادة جماعية مريعة على يد الأتراك والأكراد والعرب على مر التاريخ، خاصة إبان الاحتلالات الأجنبية للمنطقة تحت ذريعة ما عرف بالجهاد المقدس ضد الكفار، وتطهير الامبراطورية من دنس الكفار كما كان شعار الحملة العثمانية في أواسط العقد الأول من القرن الماضي، في حين سلم الأكراد و التركمان و حتى اليزيد منها رغم اعتبارهم أقليات قومية. وكانت هذه المجازر الجماعية قد بلغت ذروتها بين عامي 1915 1933 حاصدة ما يقارب المليون آشوري معظمهم أطفال ونساء وشيوخ ورجال دين في كل من تركيا و العراق بدعم خبيث من المحتل الإنكليزي، ولا مجال هنا لسرد التفاصيل. لكن رغم هذه الضغوطات الهائلة ضدهم، فقد استطاع أبناء الأقليات مواصلة جهودهم الحثيثة على أرضهم والمحافظة على لغتهم وتراثهم، رافضين كل محاولات طمس ثقافتهم وتغيير هويتهم عبر سياسات التتريك والتعريب والفرنسة وغيرها المتعاقبة عليهم. لا بل كانوا في بعض الأحيان يتفوقون بالمعنى الإنساني والحضاري للكلمة على أبناء الأكثريات في مجالات عدة. فلقد كان الآشوريون مثلا أول من قام بإصدار صحيفة دورية في مشرقنا هذا، و كان ذلك عام 1849 في منطقة أورميا الإيرانية حملت اسم "أشعة النور" وهي صحيفة أدبية إخبارية شهرية كانت تصدر باللغة السريانية عن مجموعة منالأدباء و المثقفين الآشوريين الذين كانوا يشعرون أن ثقافتهم ولغتهم وأصبحت مهددة بالزوال جراء سياسات القمع التي كانت تمارس عليهم من قبل السلطات المحلية في كل المناطق التي كان يقطنها أبناء هذا الشعب، في الوقت الذي كانت تغرق فيه المنطقة في ظلام الجهل والوصايات والاحتلالات، وهذا إن دل على شيء فانه يدل على سعي أبناء الأقليات الحثيث من أجل التأقلم والعيش بسلام في محيطها، وقدرتهم على المشاركة في مسيرة الحياة الثقافية – السياسية للدول التي يعيشون فيها بعكس ما يروج له البعض، من أن مشروع أبناء الأقليات ما هو إلا رؤية عنصرية ونزعة انفصالية، وما هم وحقوقهم المزعومة إلا حصان طروادة، كي تجتاز التدخلات الأجنبية من خلاله حدود الدول التي يعيش فيها أبناء الأقليات.
ختاما، أتمنى ألا يدرج هذا المقال تحت بند المحرمات التي يمنع نشرها أو الخطوط الحمراء التي لا يسمح تجاوزها، فكفانا دفنا لرؤوسنا في رمال التعصب، وكفانا استهتارا بحقائق التاريخ وإنكارا لهذا الواقع المتعدد الآراء، المختلف الألوان، المتنوع الثقافات، واقع يمكن تحويله، لو شاء حكامنا، إلى أساس يدعم الوحدة الوطنية لبلداننا التي نعيش فيها ولو كمواطنين من الدرجة الثانية والثالثة، لكننا نرفض إلا أن نكون لونا أساسيا في طيفها لمواجهة القادم من الظروف.
إننا نمد أيدينا لمصافحة المخلصين من المثقفين العرب، وندعوهم لمناقشة مسألة الأقليات في وسائل الإعلام المتحررة من عبودية المعتقدات الجامدة المهترئة، فنحن نعيش عصر الكوننة و الدمقرطة والحرية و حقوق الإنسان، و تحديدا فيما يخص العالم العربي لجهة الاعتراف الصريح و الواضح بحقوق الأقليات في عراق المستقبل. إننا – كآشوريين – كنا ولا زلنا و سنبقى مخلصين لأوطاننا أوفياء لها، قدمنا آلاف الشهداء في سورية و لبنان و العراق دفاعا عن قضاياها العادلة، كان أبرزهم كوكبة الأبطال من قياديي الحركة الديمقراطية الآشورية، والذين زفوا في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم شهداء على مذبح حرية العراق بعد أن اعدمهم الدكتاتور المنقرض صدام حسين، ليس لشيء إلا لأنهم طالبوا كغيرهم من العراقيين – بعراق ديمقراطي حر – ينتفي فيه الكبت والقمع والتنكيل الذي كانت تتفنن فيه الأجهزة الصدامية والذي شهدنا بعض فصوله في وسائل الإعلام ، من فرامات البشر إلى تفجير الأجساد، و ما خفي فهو أعظم. وأرادوا انتزاع الاعتراف الوطني بوجودهم القومي إلى جانب بقية أبناء الشعب العراقي ، له الحق في أن يحيا حياة كريمة حرة في وطنه وعلى أرضه. إن القمع و الظلم و التشريد و الإبادة والتهجير والتنكيل ليست مجرد مصطلحات عابرة في قاموس الإنسان الآشوري، بل هي مفردات تختزل حياته و مأساته و واقعه المرير لعهود طويلة، وشكلت عبر تاريخه الحديث عناوين عريضة لشكل ونمط حياته عبر هذه المسيرة الطويلة من الإقصاء والإلغاء والتهميش ، و نعتقد انه آن الأوان كي ينتهي عصر الظلام والعتمة والتعتيم ليشرق علينا شعاع الحرية، علنا في نوره نتمكن من حل معضلاتنا الداخلية، فنكون اكثر استعدادا لمواجهة الخطر الخارجي في القادم من الأيام. ولكي لا يتكرر ذلك المشهد المأساوي لهؤلاء المثقفين الذين أزعجهم قبول رأي مختلف، و أغضبهم مجرد الاستماع إلى فكرة طرحتها للنقاش.
أريو الخابوري - سوريا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج
























يناير 25th, 2008 at 25 يناير 2008 9:09 م
فلقد كان الآشوريون مثلا أول من قام بإصدار صحيفة دورية في مشرقنا هذا، و كان ذلك عام 1849 في منطقة أورميا الإيرانية حملت اسم “أشعة النور” وهي صحيفة أدبية إخبارية شهرية كانت تصدر باللغة السريانية عن
مجموعة منالأدباء و المثقفين الآشوريين
يرجى التوضيح مجموعة من الادباء الاشوريون يكتبون باللغة السريانية
مع الشكر