"مشكلة التسمية" أم مشكلة العطالة الفكرية ؟ الجزء الأول

كتبهاأسامة أدور موسى ، في 4 شباط 2008 الساعة: 22:24 م

 

لم تستنزفْ مسألـةٌ طاقاتَ و عقول أبناء شعبنا كما فعلت مسألة التسمية اللعينة ، و لم تخسر قضيةُ شعبنا في أي وقت مضى من عمر نضالها الإنساني و السياسي و العسكري ، و خصوصاً في القرنين الماضي و الحالي ، ما خسرته جراءَ التعاطي البشع و اللا مسؤول مع قضية التسمية ، أو "مشكلة التسمية" كما يحلو للبعض أن يسميها . فلو أجرى المرءُ إحصاءً دقيقاً ( أو تقريبياً ) لعدد التصريحات و المقالات و البيانات التي تناولت ما يسمى بـ "مشكلة التسمية" لبلغ الرقمُ حداً مضحكاً و مخجلاً في آن معاً . الكثيرُ من المؤتمرات ، و عشراتُ الصحف و مئاتُ المواقع و آلاف المقالات ، و عشرات آلاف التعليقات و مئات آلاف الشتائم و ملايين الردود ، تناولت بكثير من السذاجة و الانفعال و التعصب هذه المسألة العقيمة التي خرجت عن السياق الطبيعي لما كان يجب أن تكون عليه ، لتزداد الانقسامات و الخلافات بصورة تسونامية ، جرفت معها نضالاتنا و تضحياتنا و حقوقنا على مدى نصف قرنٍ من النضال والكفاح السياسي و المسلح ، و قضت على آمالنا و أحلامنا التي خُـيـّـل لنا أننا سنبلغها كنتيجة منطقية لنضالنا من أجل إسقاط الدكتاتورية العراقية المتمثلة في نظام صدام . و ما من عاقلٍ في هذه الأمة المسكينة يردعْ ، و لا حكيم ينصحْ ، و لا رجل دينٍ يعظْ ، أن أوقِـفوا هذه المهزلة المضحكة المبكية ، أن كُـفـّوا عن مهاتراتكم الفارغة و سجالاتكم العقيمة ، أن رصّـوا صفوفـَكم و وحـّدوا كلمتـَـكم ، و ثـبّـتوا حقوقـَـكم ، كما فعل غيرُكم ، و لتذهب جميع التسميات إلى الجحيم أمام استحقاقاتٍ مصيرية كالتي نشهدها ، و أمام مرحلة دقيقة كالتي نمر بها ، و أمام وحدة أبناء شعبنا بكل تسمياته و كنائسه و طوائفه ، التي هي ضمانتنا الوحيدة - و الوحيدة فقط - لنيل حقوقنا و الحفاظ على وجودنا الذي أصبح مهدداً على أرض العراق ، بفضل تشتتنا و انقسامنا من جهة ، و بسبب التآمر و الاعتداء الممنهج علينا من جهة ثانية .

لكن كيف يفعلونْ ؟؟  فكل من لا عمل له صار يؤلـّف حزباً و يخترعُ عَـلَـماً و يبتاع شعاراً ، و يجمع حوله بعضَ من لفّ لفـّه من المتطرفين من ذوي العقول الفارغة و الضمائر الفارغة ، و يبحث عن تسمية تتناسب و مقاسه الحزبي ، ليدّعي أنه موكلٌ باسم "الضمير القومي" بالدفاع عنها ضد التسميات الأخرى حتى الموت ، موت من ؟؟ موت أصحاب التسمية ذاتهم ، و الأمة التي يدافع عنها نفسها ، في "شمشونية سياسية" قــلّ نظيرُها .

كيف يتوقفون و قد تـَوّجـَتْ هذه المعمعة التراجيكوميدية بعضاً من هواة الركوب على أمواج التسميات أبطالاً للإنترنت و زعماء للأحزاب و أمراء للطوائف ، عاموا أو "عُـوِّموا" بشكل مفاجئ و طارئ على سطح الشأن القومي و واجهة العمل السياسي . فهذا راح ينصّب نفسه وريثاً شرعياً و وحيداً لملوك آشور ليوزع هذا الإرث على من يشاء ، و ذاك يدعي بمنتهى السذاجة انه سليل نبوخذ نصر و له الحق في منح بطاقات الهوية القومية على مريديه ، و الآخر يعين نفسه - افتراءً - متحدثاً رسمياً باسم مار أفرام السرياني لينقل عنه ما لم يتلفظ به . و كـلّهم يكذبون ، و كلهم يتاجرون ، و كلهم يسيئون ، و كلهم يتسلـّون ، و كيف لا ؟؟ فرتابة الحياة في مهاجرهم اللعينة تقتلهم ، و لا شيء يسلي المرء في غربته إلا نهش لحم بني أمته ، و لا شيء يمتعه أكثر من أن يدق أسافين البعد و البغض و الحقد و الكراهية بين أبناء أمته . والبعض الآخر هنا في الوطن من "مثقفي الروزنامات" و "أحزاب الكلمات المتقاطعة" و "رجال دين الكوكاكولا" لا زالوا مصرين - رغم كل هذا الدمار الشامل الذي لحق بأمتنا - على إصدار بياناتهم النارية الثورجية القومجية حتى بعد افتضاح كذبهم و ادعاءاتهم . كيف يتوقف هؤلاء و قد أصبح بازار التسمية هذا مرتعاً لكل العاطلين عن العمل ، و سوقاً نشطاً لتداول أسهم التطرف و الكراهية بين أبناء الأمة الواحدة . كيف تراهم يتوقفون و قد أضحت "مشكلة التسمية" هذه ، بورصة مربحة يقبض تجارها حصتهم من المال الذي يضخه الغرباء و الحاقدون فيها ، لتستمر هذه المهزلة ، و ليستمر نزيف الدم الكلداني السرياني الآشوري ، و تضيع الحقوق التي قدمنا على مذبحها الطاهر ملايين القرابين بفضل انشغالنا بمعارك التسمية الطاحنة ، في حين كان الذين يدفعوننا باتجاه التقاتل و التحارب يجنون حصادهم الوفير من المكتسبات و الحقوق في العراق ، و يضمنوها في الدستور و يصوتون عليها ، و يمارسونها على الأرض أمام أعيننا ، بعد أن كشفنا لهم كل عوراتنا و أوراقنا و نقاط ضعفنا على صفحات الإنترنت و خصوصاً على بعض المواقع التي تدعي أنها "ديمقراطية" ، و التي تتحمل أمام الله و الأمة و التاريخ مسؤولية تهديم كل أسباب التقارب و تحطيم كل أشكال اللقاء بين أبناء شعبنا ، تحت يافطة "الحياد" و ذريعة "الرأي الآخر" . هل فهمتم لماذا أصرت بعض الأطراف العراقية ، إلى اللحظة الأخيرة ، أن يمثل شعبنا في لجنة صياغة الدستور بمندوبين اثنين ، بعد أن كان مقرراً أن يمثلنا مندوب واحد ؟؟

في الجزء القادم : تسمياتنا المتعددة غنىً حضاري أسأنا استخدامه

أسامة أدور موسى -  سوريا

osama_edward@hotmail.com

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أسامة أدور موسى | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر