مشكلة التسمية … الجزء الرابع : المسمى أهم من التسمية
كتبهاأسامة أدور موسى ، في 7 شباط 2008 الساعة: 00:35 ص

أوضحنا في الأجزاء السابقة من هذه السلسلة النقاط الثلاث التي بينا من خلالها عقم الجدل الدائر حول ما يسمى "مشكلة التسمية" و هذه النقاط كانت 1 - تسمياتنا المتعددة كنز حضاري أسأنا استخدامه . 2 - الكلدان الآشوريون السريان أمة واحدة بتسميات متعددة . و نستكمل في الجزء الرابع و الأخير النقطة الثالثة .
3 - المسمى أهم من التسمية :
إن وحدة شعبنا الآشوري السرياني الكلداني ، تحت أي تسمية كانت ، هي قدس الأقداس و هدف الأهداف ، و لا يمكن - تحت أي ذريعة كانت - أن ننشغل عن العمل لأجل تحقيقها و إنجازها ، لأن الابتعاد عنها يعني ، حتماً ، انقسامنا و تشظــّـينا عمودياً في متاهات مذهبية ، و يعني ، حتما ، إضعافنا و سهولة السيطرة علينا ، و يعني أيضاً فيما يعنيه مصادرة قرارنا القومي ، و اضمحلال حضورنا السياسي على الساحة الوطنية ، و انتهاء وجودنا الديموغرافي على أرضنا التاريخية . و لنكن دقيقين و مباشرين و منطقيين أكثر : إن انتهاء وجودنا الديموغرافي على أرضنا التاريخية يعني موتنا السياسي الحتمي في كل أرجاء المعمورة ، فما فائدة الشجرة التي تنشر أغصانها في السماء و يـُـستأصل جذرها من الأرض ؟؟؟.
إذاً ، فالتسميات كلها – و الحال هذه - لا معنى لها إذا كان المسمى غير موجود ، أو إذا كان هذا المسمى ميتاً !!! و يصبح مثل صراع التسميات في هذه الحال مثل الزوجين العاقرين اللذين يتشاجران و يتعاركان على اسم مولودهما الذي لم ( ولن ) يأتِ .
وفق هذا المفهوم المبسط ، فان أي جهة أو مؤسسة أو كنيسة أو تنظيم لا تضع هذا الهدف المقدس ( و أعني توحيد أبناء شعبنا ) في مقدمة سلم أولوياتها ، و لا تعمل بالفعل من أجل تحقيقه ، هي جهات و مؤسسات و كنائس و تنظيمات مشكوك بولائها للأمة و بانتمائها للشعب ، و مشكوك بصدق عملها لخير هذه الأمة و هذا الشعب ، و هي بالتأكيد تنفذ أجندة جهات أخرى من خارج البيت الكلداني السرياني الآشوري . و هي بالتالي أيضا و أيضا تصبح ذخيرة أو رصاصة في سلاح الآخرين يتم إطلاقها على جسد امتنا التي لم يترك الأعداء طريقة إلا و اتبعوها لتمزيقه و العزف على وتر الخلافات الطائفية فيه . فماذا نقول عن تلك التي تعلن جهاراً نهاراً مناصبتها العداء لوحدة شعبنا و لهذه التسمية أو تلك .
من السهل في كل الأزمنة و الأمكنة مخاطبة الغرائز و اللعب على حبال المذهبية اللعينة ، لكنه من الصعب مخاطبة العقول لأنك إذا خاطبت العقل ملكته . و اسمحوا لي أن أتوجه هنا إلى "عقول" أبطال التسميات بهذا السؤال البسيط : ماذا سيكون جوابكم - أيها السادة المكتوفو الأيدي و الضمائر - لو قيل لكم يوماً (من طرف محلي أو إقليمي أو دولي ) : رتبوا بيتكم و نظموا شؤونكم و وحدوا كلمتكم و اجمعوا أنفسكم ، و سنمنحكم حكماً ذاتياً بصلاحيات واسعة جداً في إقليم نينوى ، و سندعمكم سياسياً و اقتصادياً و عسكرياً لتؤسسوا لمشروع دولتكم المستقبلية تحت التسمية الكلدانية ، أو تحت التسمية الآشورية أو السريانية أو الكلدوآشورية أو النينوية أو حتى الموصلية ، ماذا كنتم ستردون على عرضٍ كهذا ؟؟ هل تراكم ترفضونه ؟؟ لا أظنكم تفعلون لو أنكم تملكون من الحكمة قليلها . إذاً ، أعود فأطرح سؤالي مجدداً على أبطال التسميات : أيهما أهم : التسمية أم المسمى ؟؟؟؟ .
سمة هذا العصر سيدي القارئ انه عصر البراغماتيا و الواقعية السياسية ، و ليس عصر الخيال و الهذيان السياسيين ، و بقدر ما نكون واقعيين و ديناميكيين و براغماتيين ، مع مقدرتنا على حفظ الثوابت القومية الأساسية ، نكون أقدر على الانخراط في اللعبة السياسية و كشف خيوطها و التمكن منها ، و بالتالي نصبح طرفاً فاعلاً و مؤثراً فيها ، ان لم نقل لاعباً سياسياً أساسياً يتحكم بقواعدها .
العمل السياسي – حسب تعريفاته - هو ما يمكن لك أن تمنح و ما يمكن لك ان تمنع في نفس الوقت و الظروف . و الثوابت في السياسة البراغماتية الواقعية ليست قرآناً منزلاً ولا إنجيلا مقدساً ، بل هي متغيرة و متبدلة حسب المصلحة القومية للشعب الذي تمثله هذه السياسة . و هي بالتالي لا تتوقف كثيرا عند الشعارات الرنانة . فما تسميه اليوم ثوابت قد لا تنطبق عليه هذه الصفة غداً ، لأن "حياة الشعوب في مصالحها" و مصلحة شعبنا هي في وحدته ، و إذا كنا نريد القفز - حسبما يقول المثل الشعبي - فلا بد لنا من العودة للخلف قليلاً . أما الغوص في كتب التاريخ إلى حد الغرق ، و الإقامة الدائمة في صفحاتها و الاكتساء بغبار أحداثها إلى حد الاختفاء ، و إعادة إنتاج التناقضات التاريخية فيها لصهر أتباع هذه التسمية أو تلك بحرارة البراهين ، فجهدٌ مضنٍ و وقتٌ مهدورٌ غير مجديين . لذا ترى أن معظم أبطال التسميات يتفقون على صفات مميزة لهم ، أولها و أهمها على الإطلاق هو العطالة السياسية و العطالة الفكرية و العطالة المهنية ، و ثانيها ارتباط وجودهم و نفوذهم و ضجيج خطابهم باستمرار هذا الجدال التسموي العقيم لذلك هم يحاربون و يعارضون كل عمل توحيدي جريء ينهي هذه الأزمة ، و ثالثها أن هؤلاء يكونون في الظاهر من المشتغلين على إطلاق المبادرات لكنهم في الباطن يغتالونها و يعملون ضدها .
إن شعبنا اليوم ( بكل تسمياته طبعاً !!! ) أمام تحدٍ كبيرٍ و خطرٍ داهمٍ يواجهه لأول مرة في تاريخه، منذ سقوط العاصمة نينوى و زوال كيانه السياسي . و هذا التهديد يتمثل في تعرض وجودنا في أرض آبائنا للتدمير الشامل الممنهج ، و هذا ما سبق أن أشرنا إليه في الجزء السابق من هذه السلسلة . فارتكاب المذابح السياسية بحقنا لازال فاعلاً و فعـّـالا ، و الاعتداءات على قرانا تتزايد و الزحف السرطاني على أراضينا الزراعية يستمر ، و وتيرة تهجير أبناء شعبنا من مناطق سكناهم التاريخية تتصاعد ، و سياسية إفراغ المدن الكبيرة من الوجود الآشوري السرياني الكلداني لازالت تجري أمام مرأى كنائسنا و مسمع أحزابنا التي تدعو للجهاد من أجل هذه التسمية ضد تلك ، و تكفـّر الانتماء إلى هذه التسمية او تلك ، و لكنها تسكت على التجاوزات الفاضحة علينا و على حقوقنا و قرانا و أراضينا و كنائسنا و مواشينا في عز الظهيرة . فهل سنختلف عندها على ماذا سنسمي بضعة مئات من أبناء شعبنا من الذين سيبقون في الوطن بعد أن يـُرحـّـل و يُـهجـّـر ( بتشديد الحاء و الجيم ) القسم الأكبر منهم أمام مرأى المنشغلين باشتباكات التسميات و مسمعهم .
إذاً ، فليس المهم كي تنتزع حقوقك في عصر كهذا ان تـُسأل "من أنت" على الأرض ، و لا كم هو عمرك على هذه الأرض ، و لا ما هو اسمك ، و لا ما هو تاريخك . لكن السؤال الذي سيلاحقك بإلحاح هو "ماذا أنت" على الأرض ، و ماذا تشكل ، و كم هي قوتك ، و ماذا لديك ، و ما هو نفوذك ، و من هم حلفاؤك ، و من الذي يدعمك محلياً و إقليمياً و دولياً . إن أسياد العالم (الأمريكيون) لا يملكون من التاريخ الزمني إلا بضع مئات من السنين في حين يعود تاريخ الهند و حضارتها إلى آلاف السنين ، لكن انظروا اليوم وقارنوا تاريخ و حضارة البلدين . . . أين الثرى من الثريا ؟؟؟ . و دعونا لا نذهب بعيدا إلى الهند و أميركا كي نستوعب الأمر ، و لنبقَ في الوطن العراقي . انظروا إلى شركائكم فيه و تعلموا منهم ، انظروا إلى التجربة الكردية ، ولنقلها صراحة : انظروا إلى الدولة الكردية التي أسست في شمالي العراق وخذوا العبر لعلكم تعقلون .
إن الحق التاريخي - أيها القارئ العزيز- شرط هام في لائحة شروط استعادة الحقوق ( تقرير المصير بإقامة منطقة حكم ذاتي أو تأسيس دولة مستقلة مثلاً ) لكنه ليس الشرط الوحيد ، و لا حتى هو الشرط الأقوى ، و تجربة الأكراد الآنفة الذكر خير شاهد و دليل .
أبناء أمتي الأكارم من كل التسميات : ثمة عقود لا تصنع التاريخ و ثمة أيام تصنع الجزء الأكبر من التاريخ ، إنها الفرصة الأخيرة و انه النداء الأخير أن استفيقوا و كونوا على دراية بما يحاك ضدكم في كواليس الغرف المظلمة من مؤامرات لتصفية وجودكم و وجودنا ، وميزوا فيما يقدم لكم على أطباق من ذهب ، و فضائيات من ذهب ، بين السم و الدسم . وحّدوا كلمتكم و رصّوا صفوفكم ، حاسبوا المسيئين و المخطئين و العابثين بمصائركم ، قاطعوا من باع بحقائب العملة الخضراء شرف الأمة و دماء شهدائها الذين هم أبناء كل التسميات ، أنهوا هذا الانقسام و ضعوا حداً لهذه الشرذمة فالذئاب المتربصة تأكل من الغنم القاصية .
كلمة لا بد منها :
سيسجل التاريخ لدعاة و منظمي مؤتمر بغداد الشهير ، إعادة إطلاقهم التسمية الكلدوآشورية على شعبنا و التسمية السريانية على لغتنا . فهؤلاء لم تـُعمِ أبصارَهم و بصائرهم أضواءُ المذهبية و الطائفية و التسموية الكاذبة الزائفة . و قد عكست هذه الخطوة وعياً و حنكة سياسيين ، و قدرة فائقة على التعاطي التكتيكي المسؤول مع ذلك الواقع الضاغط الذي لم نكن نملك إلا خيار خوض غماره . إن هذه المبادرة الجريئة كانت بحق تكتيكاً سياسياً إنقاذياً مرحلياً غاية في الذكاء و الحكمة و العقلانية لوضعنا المشتت آنذاك . كان يمكن لنا بعد تثبيت حقوقنا كاملة غير منقوصة في الدستور ، و نحن موحدين ، أن نعيد النظر فيها و نراعي كل الملاحظات التي قدمها البعض بنقدهم البناء حولها ، و التي فاتت المؤتمرين حينها . و من المؤكد أن الأرجحية المنطقية كانت ستكون للقرار الأسلم و الأكثر قبولا من الجميع ، و كما يقال فانه لم يكن سيصح في النهاية إلا الصحيح . إلا أن هذه الخطوة جوبهت بالرفض الأعمى و المحاربة الغبية من قبل بعض الوصوليين الموجهين بالريموت كونترول ، و تنكر بعض الموقعين عليها لها بايحاءات خارجية . و أعلنت اثر ذلك الحرب على الحركة الديمقراطية الآشورية و حلفائها و مؤيديها في كل المحافل و المحطات السياسية القومية منها و الوطنية ، ليس لشيء إلا لأنهم حرصوا على وحدة هذا الشعب و مصلحته ، و لأن الحركة زفت – و لا زالت - مئات كوادرها و قيادييها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أسامة أدور موسى | السمات:أسامة أدور موسى
دوّن الإدراج























