منذ أيام قليلة وبينما كنت أجول في الأروقة الثقافية للانترنيت، دخلت إحدى غرف الحوار الصوتية حيث كان مجموعة من الأصدقاء يبحثون في ما آل إليه الوضع العربي مؤخرا بدأ بالأوضاع في العراق وسورية وما تبقى من القضية الفلسطينية. ولاني من هواة الغوص في تفاصيل الشان العراقي فقد تمحور حديثنا حول الأوضاع في العراق لمدة تجاوزت الساعات الثلاث. ولاني انتمي إلى الأقلية الآشورية فقد كان من الطبيعي أن أتطرق في سياق الحوار إلى مسألة الأقليات القومية في العراق خصوصا، والعالم العربي عموما. و كان مما طرحت للنقاش المنح الكامل وغير المنقوص لحقوق المجموعات القومية التي يتكون منها النسيج الاجتماعي العراقي ( العرب والأكراد والآشوريون والتركمان ) وضرورة مشاركتها في العملية السياسية –الديمقراطية التي يفترض أن يتمخض عنها تشكيل حكومة جديدة تمثل مختلف التيارات العراقية، تمهيدا لإدراج الاعتراف الصريح والواضح بحقوقهم في الدستور العراقي الدائم , وانتهاء بتبوء مكانتهم ومركزهم اللائق في عراق المستقبل كجزء أساسي من النسيج الوطني العراقي، ساهم ولا يزال في بناء العراق، وقدم آلاف الشهداء على مذبح حريته. لكن النتائج التي تمخض عنها حوارنا كانت تراجيدية بل دموية ( بالمعنى المجازي للكلمة )، فقد نفذ المشاركون الخمسة عشرة عملية ( BLOCK ) إرهابية ضدي منعت على إثرها من متابعة الحديث، وتلقيت تهديدا بالطرد ما لم اكتف بالاستماع فقط، فقد اتضح أن هؤلاء المثقفين الأفاضل لم يعجبهم ما ذهبت إليه في مداخلتي الإلكترونية التي لم تستغرق على كل حال بضع دقائق. إن هذا المشهد المؤسف للمثقف العربي يعري الحال المأساوية التي آل إليها المثقفون العرب المذعورون من التحولات الثقافية و المفاهيم الديمقراطية التي تجتاح العالم ، ويؤكد بجلاء أن بعض المثقفين العرب هم نسخة طبق الأصل عن أنظمتهم المذعورة، هي الأخرى، من اتساع المد الفكري لمفاهيم الديمقراطية ولمبادئ الحرية وحقوق الإنسان وقبول الرأي الآخر ، وينفي فهم هذا البعض ومعرفته بالتلوينات القومية المتعددة لوطنه الذي يعيش فيه على الأقل.
إن هذا الوضع المقلق يضعنا أمام تساؤلات عديدة تفرض علينا إيجاد الأجوبة لها، كان نسأل :كيف وصل هؤلاء المثقفين إلى هذا المستوى من عدم المعرفة؟ ثم إلى متى سيستمر البعض من هؤلاء بممارسة الأصولية الفكرية في التعامل مع أبناء الأقليات واعتبارهم ضيوفا غير مرحب بهم علما انهم يعيشون على هذه الأرض منذ آلاف السنين، والمضي قدما في تصنيفهم كمواطنين من الدرجة الثانية والثالثة ؟؟!!! ولكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحا هو : من المسؤول عن هذا الطلاق المؤلم بين أبناء الأقليات من جهة والمثقفين العرب من جهة أخرى؟ يمكننا للإجابة عن هذا السؤال القول أن المسؤولية تتوزع في هذه الحالة على عناصر ثلاثة يؤثر كل منها بالآخر و يتأثر به. وهذه العناصر الثلاثة هي:
أولا: المثقفون أنفسهم : فهم ليسوا مقتنعين بعدالة قضية الأقليات ولا متفهمين لشرعية مطالب أبنائها التي لا تخرج – على كل حال – عن إطارها الوطني والإنساني، وهي تضمنها كافة المواثيق الدولية بدأ باتفاقية نبذ ومعاقبة جريمة إبادة الأجناس الصادرة في التاسع من كانون الأول يناير لعام 1948، مرورا بمؤتمر الجزائر الدولي الذي عقد في تموز العام 1976، والذي أقر ( في مادته التاسعة ) "حق الشعب حين يكون كأقلية ضمن دولة ما أن تحترم هويته وعاداته ولغته وتراثه الثقافي"، وانتهاء بمؤتمر الأقليات في جنيف في نيسان العام 1996 الذي أجابت مقرراته على كل الإشكاليات و الأسئلة المتعلقة بحقوق الأقليات. ولا يفوتنا التذكير بالمعاهدات المواثيق الدولية الخاصة بالشعوب الأصلية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948 والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية، وخصوصا المادتين الأولى و السابعة و العشرين منه والخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية وخصوصا المادة الأولى منه، والإعلان الخاص بالأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية، وغيرها .
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |